فصل: التعريف بجنكز خان

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» **


  استيلاء التتر على ممالك خوارزم شاه فيما وراء النهر وخراسان

ومهلك خوارزم شاه وتوليه محمد بن تكش ولما رحل السلطان إلى خراسان استولى على الممالك ما بينه وبين بغداد من خراسان ومازندان وباميان وغزنه إلى بلاد الهند وغلب الغورية على ما بأيديهم‏.‏ ثم ملك الري وأصفهان وسائر بلاد الجبل وسار إلى العراق وبعث إلى الخليفة في الخطبة كما كانت لملوك بني سلجوق فامتنع الخليفة من ذلك كما مر ذلك كله في أخبار دولتهم‏.‏ ثم عاد من العراق سنة ست عشرة وستمائة واستقر بنيسابور فوفدت عليه رسل جنكز خان بهدية من نقرة المعدنين ونوافج المسك وحجر اليشم والثياب الخطائية المنسوجة من وبر الإبل البيض وبخبر أنه ملك الصين وما بينها من بلاد الترك ويطلب الموادعة والإذن للتجار بالتردد لمتاجرهم من الجانبين وكان في خطابه إطراء السلطان خوارزم شاه بأنه مثل أعز أولاده فاستنكف السلطان من ذلك وامتعض له وأجمع عداوته واستدعى محموداً الخوارزمي من رسل جنكز خان واصطنعه ليكون عيناً له على صاحبه واستخبره عما قاله في كتابه من أنه ملك الصين‏.‏ واستولى على مدينة طوغاج فصدق له ذلك وسأله عن مقدار العساكر فقللها وغشه في ذلك‏.‏ ثم نكر عليه الخطاب بالولد‏.‏ ثم صرف الرسل بما طلبوه من الموادعة والإذن للتجار ووصل على أثر ذلك بعض التجار من بلادهم إلى أطرار وبها أنيال خان ابن خال السلطان خوارزم شاه فعثره على أموالهم ورفع إلى السلطان أنهم عيون على البلاد وليسوا بتجار فأمره بالاحتياط عليهم ففعل وأخذ أموالهم وقتلهم خفية‏.‏ وفشا الخبر إلى جنكز خان فبعث بالنكير على السلطان في ذلك وقال له إن كان فعله أنيال خان فابعثه إلي وتهدده على ذلك في كتابه فانزعج السلطان لها وقتل الرسل‏.‏ وبلغ الخبر إلى جنكز خان فسار في العساكر إلى بلاده وجبى السلطان من سمرقند خراج سنتين حصن به أسوار سمرقند وجبى ثالثة استخدم بها الفرسان لحمايتها‏.‏ ثم سار للقاء جنكز خان فكانت بينهما واقعة عظيمة هلك فيها كثير من الفريقين فكبسهم وهو غائب عنهم ورجع خوارزم شاه إلى جيحون وأقام عليه وفرق عساكره في أعمال ما وراء النهر بخارى وسمرقند وترمذ‏.‏ وأنزل آبنايخ من أكبر أمرائه وأصحاب دولته في بخارى وجعلهم لنظره‏.‏ ثم جاء جنكز خان إليه فعبر النهر مجفلاً وقصد جنكز خان أطرار فحاصرها وملكها غلاباً وأسر أميرها أنيال خان الذي قتل التجار فأذاب الفضة في أذنيه وعينيه‏.‏ ثم حاصر بخارى وملكها على الأمان وقاتلوا معه القلعة حتى خربها‏.‏ ثم غدر بهم فقتلهم وسباهم وفعل مثل ذلك في سمرقند سنة تسع عشرة‏.‏ ثم كتب كتباً إلى أمراء خوارزم شاه قرابة أمه كأنها أجوبة عن كتبهم إليه باستدعائه والبراءة من خوارزم وذمه بعقوق أمه فبسط آمالهم في كتبه ووعد تركمان خان أم السلطان‏.‏ وكانت في خوارزم فوعدها بزيارة خراسان وأن تبعث من يستخلفه على ذلك‏.‏ وبعث بالكتب من يعترض بها للسلطان‏.‏ فلما قرأها ارتاب بأمه وبقرابتها فاستوحشوا ووقع التقاطع والنفرة‏.‏ ولما استولى جنكز خان على ما وراء النهر ونجا نائب بخارى في الفل أجفل السلطان وعبر جيحون ورجع عنه طوائف الخطا الذين كانوا معه وتخاذل الناس وسرح جنكز خان العساكر في أثره نحواً من عشرين ألفاً كانوا يسمونهم التتر المغربة لتوغلهم في البلاد غربي خراسان إلى بلاد القفجاق ووصل السلطان إلى نيسابور فلم يلبث بها وارتحل إلى مازندران والتتر في أثره‏.‏ ثم انتهى إلى همذان فكبسوه هنالك وفرقوا جموعه ونجا إلى جبال طبرستان فأقام بقرية بساحل البحر في فل من قومه‏.‏ ثم كبسه التتر أخرى فركب البحر إلى جزيرة في بحيرة طبرستان وخاضوا في أثره فغلبهم الماء ورجعوا وأقام خوارزم شاه بالجزيرة ومرض بها ومات سنة سبع عشرة وستمائة وعهد لابنه جلال الدين سكري‏.‏ ولما بلغ خبر إجفاله إلى أمه تركمان خاتون بخوارزم خرجت سارية واعتصمت بقلعة أيلاز من مازندران ورجع التتر عن اتباع خوارزم شاه فافتتحوا قلاع مازندران وملكوها وملكوا قلعة أيلاز صلحاً وأسروا أم السلطان وبناته وتزوجهن التتر وتزوج دوشي خان بن جنكز خان واحدة وبقيت تركمان خاتون أسيرة عندهم في ذل وخمول‏.‏ والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

 مسير التتر المغربة بعد خوارزم شاه إلى العراق وأذربيجان

واستيلاؤهم عليها إلى بلاد قفجاق والروس وبلاد الخزر ولما رجع التتر المغربة من اتباع خوارزم شاه سنة سبع عشرة عادوا إلى همذان وانتسفوا ما مروا عليه وصانعهم أهل همذان بما طلبوه‏.‏ ثم ساروا إلى سنجار كذلك ثم إلى قومس فامتنعوا منهم وحاصروها وملكوها غلاباً وقتلوا أكثر من أربعين ألفاً‏.‏ ثم ساروا إلى أذربيجان وصانعهم صاحب تبريز وانصرفوا إلى موقان ومروا ببلاد الكرج فاكتسحوها وجمعوا لهم فهزموهم وأثخنوا فيهم وذلك آخر سنة سبع عشرة‏.‏ ثم عادوا إلى مراغة فملكوها عنوة في صفر سنة ثمان عشرة واستباحوا ورحلوا عنها إلى إربيل وبها مظفر الدين كوكبري‏.‏ واستمد صاحب الموصل فأمده بالعساكر‏.‏ ثم استدعاهم الخليفة الناصر إلى دقوقا للمدافعة عن العراق مع عساكره وولى عليهم مظفر الدين صاحب أربل فخام عن لقائهم وخاموا عن لقائه‏.‏ وساروا إلى همذان وبها شحنتهم فامتنعوا من مصانعتهم وقاتلوهم فملكوها عنوة واستباحوها واستلحموا أهلها ورجعوا إلى أذربيجان فملكوا أردبيل وإستباحوها وخربوها وساروا إلى تبريز وقد فارقها أزبك بن البهلوان إلى نقجوان فصانعوهم بالأمان وساروا إلى بيلقان وملكوها عنوة وأفحشوا في القتل والمثلة واكتسحوا جميع الضاحية‏.‏ ثم ساروا إلى كنجة قاعدة أران فصانعهم أهلها فساروا إلى بلاد الكرج فهزموهم وحاصروهم بقاعدتهم تفليس وردهم كثرة الأوعار عن التوغل فيها‏.‏ ثم قصدوا دربند شروان وحاصروا مدينة سماجي ودخلوه عنوة وملكوه واستباحوه وأعجزهم الدربند عن المسير فراسلوا شروان في الصلح فبعث إليهم رجالاً من أصحابه فقتلوا بعضهم وقتلوا الباقين أذلاء‏.‏ وأفضوا من الدربند إلى أرض أسحمة وبها من القفجاق واللاز والغز وطوائف من الترك مسلمون وكفار أمم لا تحصى‏.‏ ولم يطيقوا مغالبتهم لكثرتهم فرجعوا إلى التضريب بينهم حتى استولوا على بلادهم‏.‏ ثم اكتسحوها وأوسعوهم قتلاً وسبياً وفر أكثرهم إلى بلاد الروس وراءهم واعتصم الباقون بالجبال والغياض‏.‏ وانتهى التتر إلى مدينتهم الكبرى سرداق على بحر نيطش المتصل بخليج القسطنطينية وهي مادتهم وفيها تجارتهم فملكها التتر وافترق أهلها في الجبال‏.‏ وركب أهلها البحر إلى بلاد الروم في إيالة بني قليج أرسلان‏.‏ ثم سار التتر سنة عشرين وستمائة من بلاد قفجاق إلى بلاد الروس المجاورة لها وهي بلاد فسيحة وأهلها يدينون بالنصرانية فساروا إلى مدافعتهم في تخوم بلاده ومعهم جموع من القفجاق أياماً‏.‏ ثم انهزموا وأثخن فيهم التتر قتلاً وسبياً ونهباً وركبوا السفن هاربين إلى بلاد الإسلام وتركوا بلادهم فاكتسحها التتر‏.‏ ثم عادوا عنها وقصدوا بلغار آخر السنة‏.‏ واجتمع أهلها وساروا للقائهم بعد أن أكمنوا لهم ثم استطردوا أمامهم وخرج عليهم الكمناء من خلفهم فلم ينج منهم إلا القليل‏.‏ وارتحلوا عائدين إلى جنكز خان بأرض الطالقان ورجع القفجاق إلى بلادهم واستقروا فيها‏.‏ والله تعالى ولي التوفيق بمنه وكرمه‏.‏

 مسير جنكز خان إلى خراسان وتغلبه على أعمالها وعلى خوارزم شاه

كان جنكز خان بعد أن أجفل خوارزم شاه من جيحون و مسير التتر المغربة في طلبه ملك سمرقند فبعث عسكراً إلى ترمذ وعسكراً إلى خوارزم وعسكراً إلى خراسان‏.‏ وكان عسكر خوارزم أعظمها لأنها كرسي الملك ومأوى العساكر وبعث مع العساكر ابنه جفطاي وأركطاي فحاصروها خمسة أشهر وامتنعت فأمدهم جنكز خان بالعساكر متلاحقة وملكوها ناحية ناحية إلى أن استوعبوا‏.‏ ثم نقبوا السد الذي يمنع ماء جيجون عنها فسال إليها جيجون فغرقها وتقسم أهلها بين السند والعراق هكذا قال ابن الأثير‏.‏ وقال النسابي كاتب جلال الدين إن دوشي خان عرض عليهم الأمان وخرجوا إليه فقتلهم أجمعين وذلك في محرم سنة سبع عشرة وعاد دوشي خان والعساكر إلى جنكز خان فوجدوه بالطالقان‏.‏ وأما عسكر ترمذ فساروا إليها وملكوها وتقدموا إلى كلابة من قلاع جيجون فملكوها وخربوها وعسكر فرغانة كذلك‏.‏ وأما عسكر خوارزم فعبروا إلى بلخ وملكوها على الأمان سنة سبع عشرة وأنزلوا بها شحنة‏.‏ ثم ساروا إلى الزوزان وأيدحور ومازندران فملكوها وولوا عليها‏.‏ ثم ساروا إلى الطالقان وحاصروا قلعة صاركوه وكانت منيعة وجاءهم جنكز خان بنفسه بعد امتناعها ستة أشهر فحاصروها أربعة أشهر أخرى‏.‏ ثم أمر بنقل الخشب والتراب ليجتمع به تل يتعالى به البلد‏.‏ فلما استيقنوا الهلكة فتحوا الباب وصدقوا الحملة فنجا الخيالة وتفرقوا في البلاد والشعاب وقتل الرجالة ودخل التتر فاستباحوها‏.‏ وبعث جنكز خان عسكراً ويقال قتل فيها أكثر من سبعين ألفاً‏.‏ ثم بعث جنكز خان في العساكر إلى مدينة مرو وقد كان الناجون من هذه الوقائع انزووا إليها فاجتمعوا بظاهرها أكثر من مائتي ألف لا يشكون في الظفر فلما زحف إليهم التتر ولوا منهزمين وأثخنوا فيهم‏.‏ ثم حاصروا البلد خمسة أشهر واستنزلوا أميرها على الأمان‏.‏ ثم قتلوهم جميعاً وحضر جنكز خان قتلهم‏.‏ يقال قتل فيها سبعمائة ألف‏.‏ ثم ساروا إلى نيسابور فاقتحموها عنوة وقتلوا وعاثوا ثم إلى طرابلس كذلك‏.‏ ثم ساروا إلى هراة فملكوها على الأمان وأنزلوا عندهم الشحنة وعادوا إلى جنكز خان بالطالقان وهو يرسل العساكر والسرايا في نواحي خراسان حتى أتوا عليها تخريباً وذلك كله سنة سبع عشرة والله تعالى أعلم‏.‏

 أجفال جلال الدين ومسير التتر في اتباعه وفراره إلى الهند

ثم بعث العساكر في طلب جلال الدين وقد كان بعد مهلك أبيه وخروج تركمان خاتون من خوارزم سار إليها وملكها واجتمع إليه الناس‏.‏ ثم نمي إليه أن قرابة تركمان خاتون وهم البياروتية مالوا إلى أخيه يولغ شاه وابن أختهم وأنهم يريدون الوثوب بجلال الدين ففر ولحق بنيسابور‏.‏ وجاءت عساكر التتر إلى خوارزم فأجفل يولغ شاه وأخواه ليلحقوا به بنيسابور فأدركهم التتر وهم محاصرون قلعة قندهار فاستلحمهم‏.‏ ثم سار إلى غزنة فلملكها من يد ولحق به أمراء أبيه الذين تغلبوا على نواحي خراسان في هذه الفتنة وأزعجهم التتر عنها فحضروا مع جلال الدين كبسة التتر بقلعة قندهار‏.‏ ولحق فلهم بجنكز خان‏.‏ وبعث ابنه طولي خان لقتال جلال الدين فهزمه جلال الدين وقتله‏.‏ ولحق الفل من عساكره بجنكز خان فسار في أمم التتر ولقي جلال الدين فانهزم ولم يفلت من التتر إلا الأقل ورجع جلال الدين فنزل على نهر السند وقد كان جماعة من أمرائه انعزلوا عنه يوم الواقعة الأولى بسبب الغنائم فبعث إليهم يستألفهم فعاجله جنكز خان وقاتله ثلاثاً ثم هزمه واعترضه نهر السند فاقتحمه وخلص إلى السند بعد أن قتل حرمه أجمعين وذلك سنة ثمان عشرة‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

 أخبار غياث الدين بن خوارزم شاه مع التتر

كان خوارزم شاه قد قسم الملك بين ولده فجعل العراق لغورنشاه وكرمان لغياث الدين تمرشاه فلم ينفذ إليها أيام أبيه‏.‏ فلما فر خوارزم شاه إلى ناحية الري لقيه ابنه غورنشاه صاحب العراق‏.‏ ثم كانت واقعة التترية على حدوى ولحق خوارزم شاه بجزيرة طبرستان ولحق غورنشاه بكرمان‏.‏ ثم رجع واستولى على أصفهان وعلى الري‏.‏ ثم زحف التتر إليه وحاصروه بقلعة أوند وقتلوه وكان أخوه غياث الدين بكرمان وملكه بينه وبين بقا طرابلسي أتابكه وفر إلى ناحية أذربيجان‏.‏ واستولى غياث الدين على العراق ومازندران وخوزستان فأقطع بقا ثم سار غياث الدين إلى أذربيجان فصانعه صاحبها أزبك بن البهلوان ولحق به من كان متغلباً من أمراء أبيه بخراسان‏.‏ وكان أبنايخ خان نائب بخارى قد تغلب بعد الواقعة على نسا ونواحيها وجرجان وعلى شيروان وعامة خراسان‏.‏ وكان تكين بهلوان متغلباً على مرو فعبر جيحون سنة سبع عشرة وكبس شحنة التتر واتبعوه إلى شيروان ولقوا أبنايخ خان على جرجان فهزموه‏.‏ ونجا فلهم إلى غياث الدين على العراق والري وما وراءها في الجنوب من موكان وأذربيجان وبقيت خوارزم طوائف وفي كل ناحية منها متغلب وعساكر التتر في كل وقت تدوخ بلاد العراق وغياث الدين منهمك في لذاته‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

 رجوع جلال الدين من الهند واستيلاؤه على العراق وكرمان وأذربيجان

ثم زحف التتر إليه ثم رجع جلال الدين من الهند سنة إحدى وعشرين واستولى على ملك أخيه غياث الدين بالعراق وكرمان وبعث إلى الخليفة يطلب الخطبة فلم يسعف فاستعد لمحاربته‏.‏ وقد كانت بلاد الري من بعد تخريب التتر المغربة لها عاد إليها بعض أهلها وعمروها فبعث إليها جنكز خان عسكراً من التتر فخربوها ثانية وخربوا سلوة وقم وقاشان وأجفل أمامهم عسكر خوارزم شاه من همذان فخربوها واتبعوهم فكبسوهم في حدود أذربيجان‏.‏ ولحق بعضهم بتبريز والتتر في اتباعهم فصانعهم صاحبها أزبك بن البهلوان وبعث بهم إلى التتر الذين في اتباعهم بعد أن قتل وسار جلال الدين إلى أذربيجان سنة اثنتين وعشرين فملكها وكانت له فيها أخبار ذكرناها في دولته‏.‏ ثم بلغ السلطان جلال الدين أن التتر زحفوا من بلادهم وراء النهر إلى العراق فنهض من تبريز للقائهم في رمضان سنة خمس وعشرين ولقيهم على أصفهان وانفض عنه أخوه غياث الدين في طائفة من العساكر‏.‏ وانهزمت ميسرة التتر وسار السلطان في اتباعهم وقد أكمنوا له وأحاطوا به واستشهد جماعة ثم صدق عليهم الحملة فأفرجوا له ومضى لوجهه وانهزمت العساكر إلى فارس وكرمان وأذربيجان ورجع المتبعون للتتر من قاشان فوجدوه قد انهزم فافترقوا أشتاتاً ولحق السلطان بأصفهان بعد ثمانية أيام فوجد التتر يحاصرون أصفهان فبرز إليهم في عساكرها وهزمهم واتبعهم إلى الري وبعث العساكر في اتباعهم إلى خراسان ورجع إلى أذربيجان وأقام بها وكانت له فيها أخبار مذكورة في دولته‏.‏ والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

 مسير التتر إلى أذربيجان واستيلاؤهم على تبريز

ثم واقعتهم مع جلال الدين بآمد و مقتله كان التتر لما استقروا فيما وراء النهر عمروا تلك البلاد واختطوا قرب خوارزم مدينة عظيمة تعوض عنها وبقيت خراسان خاوية‏.‏ واستبد بالمدن فيها طوائف من الأمراء أشباه الملوك يعطون الطاعة للسلطان جلال الدين منذ جاء من الهند‏.‏ وانفرد جلال الدين بملك العراق وفارس وكرمان وأذربيجان وأران وما إلى ذلك‏.‏ وبقيت خراسان مجالاً لغزاة التتر وعساكرهم وسارت طائفة منهم سنة خمس وعشرين إلى أصفهان وكانت بينهم وبين جلال الدين الواقعة كما مر‏.‏ ثم زحف جلال الدين إلى خلاط وملكها‏.‏ وزحف إليه صاحبها الأشرف بن العادل من الشام وعلاء الدين كيقباد صاحب بلاد الروم وأوقعوا به كما مر في أخباره سنة سبع وعشرين الواقعة التي أوهنت منه وحلت عرى ملكه‏.‏ وكان علاء الدين مقدم الإسماعيلية بقلعة الموت عدواً لجلال الدين بما أثخن في بلاده وقرر عليه وظائف الأموال فبعث إلى التتر يخبرهم أن الهزيمة أوهنته ويحثهم على قصده فسار إلى أذربيجان أول سنة ثلاث وعشرين‏.‏ وبلغ الخبر إلى السلطان بمسيرهم فرحل من تبريز إلى موقان وأقام بها في انتظار شحنة خراسان ومازندران وشغل بالصيد فكبسه التتر ونهبوا معسكره وخلص إلى نهر راس من أران‏.‏ ثم رجع إلى أذربيجان وشتى بماهان‏.‏ ثم جاءه النذير بمسير التتر إليه فرحل إلى أران وتحصن بها وثار أهل تبريز لما بلغهم خبر الوقعة الأولى بمن عندهم من عساكر الخوارزمية وقتلوهم ومنعهم رئيسهم الطغرياني من طاعة التتر‏.‏ ووصل للسلطان جلال الدين ثم هلك قريباً فسلموا بلادهم للتتر وكذا فعل أهل كنجة وأهل سلعار‏.‏ ثم سار السلطان إلى كنجة وارتجعها وقتل المعترضين للثورة فيها وساش إلى خلاط واستمد الأشرف بن العادل صاحب الشام فعلله بالمواعيد‏.‏ وسار إلى مصر ويئس من إنجاده فبعث إلى جيرانه من الملوك يستنجدهم مثل صاحب حلب وآمد وماردين‏.‏ وجرد عسكراً إلى بلاد الروم في خرت برت وملطية وأذربيجان فاقتحموها لما بين صاحبها كيقباد وبين الأشرف من الموالاة فاستوحش جميع الملوك من ذلك وقعدوا عن نصرته‏.‏ وجاءه الخبر وهو بخلاط أن التتر زحفوا إليه فاضطرب في رحله وبعث أتابكه أوترخان في أربعة آلاف فارس طليعة فرجع وأخبره أن التتر رجعوا من حدود ملاذ كرد وأشار عليه قومه بالمسير إلى أصفهان‏.‏ وزين له صاحب آمد قصد بلاد الروم وأطمعه في الاستيلاء عليها ليتصل بالقفجاق ويستظهر بهم على التتر ووعده الإمداد بنفسه يروم الانتقام من صاحب الروم لما ملك من قلاعه فخيم إلى رأيه وعدل عن أصفهان ونزل بآمد‏.‏ وبعث إليه التركمان بالنذير وأنهم رأوا نيران التتر فاتهم خبرهم‏.‏ وصحبه التتر على آمد منتصف شوال سنة ثمان وعشرين وأحاطوا بخيمته وحمل عليهم أتابكه أوترخان وكشفهم عن الخيمة‏.‏ وركب السلطان وأسلم أهله وسواده ورد أوترخان العساكر وانتبذ ليتوارى عن عين العدو‏.‏ وسار أوترخان إلى أصفهان واستولى عليها إلى أن ملكها التتر من يده سنة تسع ثلاثين‏.‏ وذهب السلطان منجفلاً وقد امتلأت الدربندات والمضايق بالمفسدين من غير صنوفهم بالقتل والنهب فأشار عليه أوترخان بالرجوع فرجع إلى قرية من قرى ميافارقين ونزل في بيدرها وفارقه أوترخان إلى حلب‏.‏ وهجم التتر على السلطان بالبيدر وقتلوا من كان معه وهرب فصعد جبل الأكراد وهم مترصدون الطرق للنهب فسلبوه وهموا بقتله‏.‏ وشعر بعضهم أنه السلطان فمضى به إلى بيته ليخلصه إلى بعض النواحي ودخل البيت في مغيبه بعض سفلتهم وهو يريد الثأر من الخوارزمية بأخ له قتل بخلاط فقتله ولم يغن عنه أهل البيت‏.‏ ثم انتشر التتر بعد هذه الواقعة في سواد آمد وأرزن وميافارقين وسائر ديار بكر فاكتسحوها وخربوها وملكوا مدينة أسعرد عنوة فاستباحوها بعد حصار خمسة أيام ومروا بميافارقين فامتنعت ثم وصلوا إلى نصيبين فاكتسحوا نواحيها ثم إلى سنجار وجبالها والخابور‏.‏ ثم ساروا إلى أيدس فأحرقوها ثم إلى أعمال خلاط فاستباحوا هاكرى وأرجيش‏.‏ وجاءت طائفة أخرى من أذربيجان إلى أعمال إربل ومروا في طريقهم بالتركمان الأيوبية والأكراد الجوزقان فنهبوا وقتلوا وخرج إليهم والي إربل مستمداً أهلها وعساكر الموصل فلم يدركوهم فعادوا وبقيت البلاد قاعاً صفصفاً‏.‏ والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين‏.‏

 التعريف بجنكز خان

وقسمة الأعمال بين ولده وانفراده بالكرسي في قراقوم وبلاد الصين هذا السلطان جنكز خان هو سلطان التتر لعهده ثم من المغل أحد شعوبهم وفي كتاب لشهاب الدين بن فضل الله أنه من قبيله أشهر قبائل المغل وأكبرهم وزايه التي بين الكاف والخاء ليست صريحة وإنما هي مشتملة بالصاد فينطق بها بين الصاد والزاي‏.‏ وكان اسمه تمرجين ثم أصاروه جنكز وخان تمام الاسم وهو بمعنى الملك عندهم‏.‏ وأما نسبته فهي هكذا جنكز بن بيسوكي بن بهادر ابن تومان برتيل خان بن تومينه بن باد سنقر بن تيدوان ديوم بن بقا بن مودنجه إحدى عشر اسماً أعجمياً صعبة الضبط وهذا منحاها‏.‏ وفي كتاب ابن فضل الله فيما نقله عن شمس الدين الأصفهاني أمام المعقولات بالمشرق أخذها عن أصحاب نظير الدين الطوسي قال إن مودنجه اسم امرأة وهي جدتهم من غير أب‏.‏ قالوا وكانت متزوجة وولدت ولدين اسم أحدهما بكتوت والآخر بلكتوت ويقال لولدها بنو الدلوكية‏.‏ ثم مات زوجها وتأيمت وحملت وهي أيم فنكر عليها قرباؤها فذكرت أنها رأت بعض الأيام نوراً دخل في فرجها ثلاث مرات وطرأ عليها الحمل بعده‏.‏ وقالت لهم إن في حملها ثلاثة ذكور فإن صدق ذلك عند الوضع وإلا فافعلوا ما بدا لكم‏.‏ فوضعت ثلاثة توائم من ذلك الحمل فظهرت براءتها بزعمهم اسم أحدهم برقد والآخر قونا والثالث نجعو وهو جد جنكز خان الذي في عمود نسبه كما مر وكانوا يسمونهم النورانيين نسبة إلى النور الذي ادعته‏.‏ ولذلك وأما أوليته فقال يحيى بن أحمد بن علي النسابي كاتب جلال الدين خوارزم شاه في تاريخ دولته إن مملكة الصين متسعة ودورها مسيرة تسعة أشهر وهي منقنسمة من قديم الزمان على تسعة أجزاء كل جزء منها مسيرة شهر‏.‏ ويتولى ملك كل جزء منها ملك يسمى بلغتهم خان ويكون نائباً على الخان الأعظم‏.‏ قال وكان الأعظم الذي عاصر خوارزم شاه علاء الدين محمد بن تكش يقال له طرخان توارثها عن آبائه وكان مقيماً بطوغاج وهي وسط الصين‏.‏ وكان جنكز خان من أولئك الخانات الستة وكان من كان البدو ومن أهل النجدة والشرف وكان مشتاه فارعون من بلاد الصين‏.‏ وكان من خانتهم أيضاً ملك آخر اسمه دوشي خان كان متزوجاً بزوجة جنكز خان واتفقت وفاته فحضر جنكز خان يوم وفاة زوجها دوشي خان فولته مكانه وحملت قومها على طاعته‏.‏ وبلغ الخبر إلى الخان الأعظم طرخان فنكر ذلك وزحف إليهم فقاتلوه وهزموه وغلبوه على أثر بلاده‏.‏ ثم صالحهم عليها وأقام متغلباً‏.‏ ثم مات بقية الخانات الستة وانفرد جنكز خان بأمرهم جميعاً وأصبح ملكهم وكان بينه وبين خوارزم شاه من الحروب ما قدمناه‏.‏ وفي كتاب ابن فضل الله محكياً عن الصاحب علاء الدين عطاء وحدثه به قال كان ملك عظيم من التتر في قبيلة عظيمة من قبائلهم يدعى أزبك خان وكان مطاعاً في قومه فاتصل به جنكز خان فقربه واستخلصه ونافسه قرابة السلطان وسعوا به عنده حتى استفسدوه عليه وطوى له وتربص به‏.‏ وسخط أزبك خان على مملوكين عنده فاستجار بجنكز خان فأجارهما وضمن لهما أمانه وأطلعاه على رأي السلطان فيه فاستوحش وحذر وثبة السلطان فأجفل أمامه واتبعه السلطان في عساكره‏.‏ فلما أدركه كر عليه جنكز خان فهزمه وغنم سواده وما معه‏.‏ ثم استمرت العداوة وانتبذ عن السلطان واستألف العساكر والأتباع وأفاض فيهم الإحسان فاشتدت شوكته ودخل في طاعته قبيلتان عظيمتان من المغل وهما أورات ومنفورات فعظمت جموعه وأحسن إلى المملوكين اللذين حذراه من أزبك خان ورفع رتبتهما وكتب لهما العهود بما اختاراه وكتب فيها أن يستمر ذلك لهما إلى تسعة بطون من أعقابهما‏.‏ ثم جهز العساكر لحرب أزبك خان فهزمه وقتله واستولى على مملكة التتر بأسرها‏.‏ ولما توطأ أمره تسمى جنكز خان وكان اسمه تمرجين كما مر‏.‏ وكتب لهم كتاباً في السياسة في الملك والحروب والأحكام العامة شبه أحكام الشرائع‏.‏ وأمر أن يوضع في خزانته وأن تختص بقرابته ولم يكن يؤتى بمثله وإنما كان دينه ودين آبائه وقومه المجوسية حتى ملكوا الأرض واستفحلت دولتهم بالعراق والشمال وما وراء النهر وأسلم من ملوكهم من هداه الله للإسلام كما نذكره إن شاء الله تعالى فلخلوا في عداد ملوك الإسلام إلى أن وأما ولده فكثير وهو الذي يقتضيه حال بداوته وعصبيته إلا أن المشهور منهم أربعة أولهم دوشي خان ويقال جرجي وثانيهم جفطاي ويقال كداي وثالثهم أوكداي ويقال أوكتاي ورابعهم طولي بين التاء والطاء‏.‏ والثلاثة الأول لأم واحدة وهي أوبولي بنت تيكي من كبار المغل‏.‏ وعد شمس الدين الأصفهاني الأربعة فقال جرجي وكداي وطولي وأوكداي‏.‏ وقال نظام الدين يحيى بن الحليم نور الدين عبد الرحمن الصيادي كاتب السلطان أبي سعيد فيما نقله عنه شهاب الدين بن فضل الله إن كداي هو جفطاي وجرجي هو طوشي‏.‏ فلما ملك جنكز خان البلاد قسم الممالك فكان لولده طوشي بلاد فيلاق إلى بلغار وهي دست القفجاق وأضاف إليه أران وهمذان وتبريز ومراغه وعيرلان وكتاي حدود آمد وقوباق وما أدري تفسير هذه وجعله ولي عهده‏.‏ وعين لجفطاي من الأيقور إلى سمرقند وبخارى وما وراء النهر ولم يعين لطولي سيئاً‏.‏ وعين لأخيه أوتكين نوى بلاد أبخت ولا أدري معنى هذا الاسم‏.‏ ولما استفحل ملكه واستولى على هذه الممالك جلس على التخت وانتقل إلى وطنه القديم بين الخطا والأيقور وهي تركستان وكاشغر‏.‏ وفي ذلك الوطن مدينة قراقوم وبها كان كرسيه ومكانه بين أعمال ولده مكان المركز من الدائرة وكان كبير ولده طوشي ويقال دوشي ومات في حياته وخلف من الولد ناخوا وبركة وداوردة وطوفل هكذا قال ابن الحكيم‏.‏ وقال شمس الدين ناظو وبركة فقط‏.‏ ومات طولي أيضاً في حياته في حربه مع جلال الدين خوارزم شاه بنواحي غزنة وخلف من الولد منكو قبلاي وأزبيك وهلاكو‏.‏ والله تعالى أعلم بغيبه وأحكم‏.‏

 ملوك التخت بقراقوم من بعد جنكز خان

قال ابن فضل الله ولما هلك جنكز خان استقل أوكداي بالتخت وبدست القفجاق وما معه وكان أصغر ولده‏.‏ وانتقل إلى قراقوم بمكانهم الأصلي فأعطى وقراياق التي كانت بيده لابنه كغود ولم يتمكن كداي وهو جفطاي من مملكة ما وراء النهر ونازع ناظو بن دوشي خان في أران وهمذان وتبريز ومراغة وبعث أميراً من أمرائها لحمل أموالها والقبض على عماله بها‏.‏ وقد كان ناظو كتب إليهم بالقبض على ذلك الأمير فقبضوا عليه وحملوه إلى ناظو فطحنه‏.‏ وبلغ ذلك إلى كغود فسار إلى ناظو في ستمائة ألف من العساكر‏.‏ وهلك قبل أن يصل إليه بعشر مراحل فبعث القوم إلى ناظو أن يكون صاحب التخت فأبى وجعله لأخيه منكوفان بن طولي وبعثه إليه وأخويه معه قبلاي وهلاكو وبعث معهم أخاه بركة بن طولي في مائة ألف من العساكر ليجلسه على التخت‏.‏ فلما عاد من بخارى لقي الشيخ شمي الدين الباخوري من أصحاب نجم الدين كبير الصوفية فأسلم على يده وتأكدت صحبته معه وحرضه على التمسك بطاعة الخليفة وترددت الرسل بينه وبين المعتصم وتأكدت الموالاة واستقل منكوفان بالتخت وولى جفطاي عمه على ما وراء النهر إمضاء لوصية جنكز خان لأبيهم التي مات دونها‏.‏ ووفد عليه جماعة من أهل قزوين وبلاد الجبل يشكون ما نزل بهم من ضرر الإسماعيلية وفسادهم فجهز أخاه هلاكو لقتالهم واستئصال قلاعهم فمضى لذلك وحسن لأخيه منكوفان الاستيلاء على أعمال الخليفة فأذن له فيه وبلغ ذلك بركة فنكره على أخيه ناظو الذي ولى منكوفان لما كان بين بركة والمعتصم من الولاية والوصلة بوصية الشيخ الباخوري فبعث ناظو إلى أخيه هلاكو بالنهي عن ذلك وأن لا يتعدى مكانه‏.‏ وبلغته رسل ناظو بذلك وهو فيما وراء النهر قبل أن يفصل بالعساكر فأقام سنين امتثالاً لأمره حتى مات ناظو وتولى بركة مكانه فاستأذن أخاه منكوفان ثانية وسار لقصد الملاحدة وأعمال الخليفة فأوقع بالملاحدة وفتح قلاعهم واستلحمهم وأوقع بأهل همذان واستباحهم لميلهم إلى بركة وأخيه ناظو‏.‏ ثم سار إلى بركة بدست القفجاق فزحف إليه بركة في جموع لا تحصى والتقيا واستمر القتل في أصحاب هلاكو وهم بالهزيمة‏.‏ ثم حال نهر الكر بين الفريقين وعاد هلاكو في البلاد واستحكمت العداوة بينهما‏.‏ وسار هلاكو إلى بغداد فكانت له الواقعة المشهورة كما مر ويأتي في أخبار دولته إن شاء الله تعالى‏.‏ وفي كتاب ابن فضل الله فيما نقله عن شمس الدين الأصفهاني أن هلاكو لم يكن مستقلاً بالملك وإنما كان نائباً عن أخيه منكوفان‏.‏ ولا ضربت السكة باسمه ولا ابنه أبغا وإنما ضربها منهم أرغو حين استقل فجعل اسمه في السكة مع اسم صاحب التخت قال وكان شحنة صاحب التخت لا يزال ببغداد إلى أن ملك قازان فطرد الشحنة وأفر اسمه في السكة‏.‏ وقال ما ملكتب البلاد إلا بسيفي وبيت جنكز خان يرون أن بني هلاكو إنما كانوا ثواراً وجنكز خان لم يملك طولي شيئاً وإن أخاه منكوفان الذي ولاه عليها إنما بعثه نائباً مع أن منكوفان إنما ولاه ناظو ابن دوشي خان كما مز‏.‏ قال ونقل عن ثقاة أنه لم يبق هلاكو من يحقق نسبة لكثرة ما وقع فيهم من القتل غيرة على الملك ومن نجا طلب الاختفاء بشخصه فخفي نسبه إلا ما قيل في محمل المنسوب إلى بحرحى‏.‏ قال شمس الدين الأصفهانى ونقله عن أمير كبير منهم أن أول من استقل بالتخت جنكز خان ثم ابنه أوكداي ثم أنه كفود بن أوكداي ثم منكوفان بن طولي ثم أخوه أربيكان ثم أخوهما قبلاي ثم دمرفاي ويقال تمرفاي‏.‏ ثم تربى كيزي ثم كيزقان ثم سندمر دقان بن طرمالا بن جنكمر بن قبلاي بن طولي انتهى كلام ابن فضل الله‏.‏ وعن غيره أن منكوفان جهز عساكر التتر أيام ملكه على التخت إلى بلاد الروم سنة مع أمير من أمراء المغل اسمه بيكو فملكها من يد بني قليج أرسلان كما هو مذكور في أخبارهم فأقامت في طاعة القان إلى أن انقرض أمر المغل منها‏.‏ ثم بعث منكوفان العساكر لغزو بلاد الخطا مع أخيه قبلاي بعد أن عهد له بالخانية‏.‏ ثم سار على أثره بنفسه واستخلف أخاه الآخر أزبك على كرسي قراقوم وهلك منكوفان في طريقه ذلك على نهر الطاي من بلاد الغور سنة ثمان وخمسين فجلس أزبك على التخت وعاد قبلاي من بلاد الخطا فزحف إليه أزبك فهزمه إلى بعض النواحي واستأثر بالغنائم عن أخوته وقومه فمالوا إلى قبلاي واستدعوه فجاء وقاتل أخاه أزبك فغلبه وتقبض عليه وحبسه واستقر في الغانية‏.‏ وبلغ الخبر إلى هلاكو وهو في الشام عندما استولى عليه فرجع لما كان يؤمله من الغانية‏.‏ ولما انتهى إلى جيحون بلغه استقلال أخيه قبلاي في الغانية وتبين له عجزه عنه فسالمه وقنع بما في يده ورجع إلى العراق‏.‏ ثم نازع قبلاي في الغانية لآخر دولته سنة سبع وثمانين بعض بني أوكداي صاحب التخت الأول وهو قيدو بن قاشي بن كفود بن أوكداي‏.‏ ونزع إليه بعض أمراء قبلاي وزينوا له ذلك فسار له وبعث قبلاي العساكر للقائه مع ابنه تمقان فهزمه قيدو ورجع منهزماً إلى أبيه فسخطه وطرده إلى بلاد الخطا مات هنالك‏.‏ وسلط قبلاي على قيدو وكان غلب على ما وراء النهر براق بن سنتف بن منكوفان بن جفطاي من بني جفطاي ملوك ما وراء النهر بوصية أبيهم جنكز خان فغلبه براق واستولى على ما وراء النهر‏.‏ ثم هلك قبلاي صاحب التخت سنة ثمان وثمانين وملك ابنه سرتموق‏.‏ هذا ما انتهى إلينا من أخبار ملوك التخت بقراقوم من بني جنكزخان ولم نقف على غيرها‏.‏ والله تعالى ولي التوفيق‏.‏